السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني

153

تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )

العذاب ، وما عليك إلا أن تحذرهم سوء العاقبة وتذكر لهم أحوال أسلافهم وآثارهم « مِنْها » أي القرى المهلك أهلها أثرها « قائِمٌ » لم يزل إذ أن قسما من بنائها باق وجدران أكثرها قائمة واقفة على حالها « وَحَصِيدٌ 101 » ومنها خراب مندثر محي أثرها بالكلية لطول الزمن على تركها بلا سكن ، كالأرض المحصود زرعها التي كأنها لم تزرع قبل ، وأطلقت العرب لفظ الحصيد على الفناء كما قيل : والناس في قسم المنية بينهم * كالزرع منه قائم وحصيد قال تعالى « وَما ظَلَمْناهُمْ » بما أوقعنا فيهم من العذاب المهلك « وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ » بإصرارهم على الكفر ورفض نصح الرسل حتى ماتوا مشركين باللّه كفّارا منكري الآخرة « فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ » أوثانهم « الَّتِي يَدْعُونَ » يعبدونها ويستغيثون بها عند المحن ويرجون نصرتها « مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ » ولم ترد بأسه عنهم في الدنيا « لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ » بإهلاكهم « وَما زادُوهُمْ » في الآخرة عند استشفاعهم بهم « غَيْرَ تَتْبِيبٍ 102 » تدمير وتخسير وتب بمعنى خسر وتبّه غيره أوقعه في الخسران ، أي أن عبادتهم للأصنام فضلا عن أنهم لم تفدهم شيئا فقد أهلكتهم فوق إهلاكهم حتى دمّروا تدميرا ، قال بشر ابن أبي حاتم : هم جدعوا الألوف فأذهبوه * وهم تركوا بني سعد تبابا « وَكَذلِكَ » مثل ذلك الأحد العظيم : « أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ » حالة كون أهلها كافرين عتاة « إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ 103 » كما علمت من كيفية أخذ الأمم لكذبة لرسلها ، روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته : ثم قرأ هذه لآية . وحكم هذه الآية عام في كل ظالم إلى يوم القيامة ، ألا فليحذر الظالمون هذه العاقبة السيئة ويتداركوا أنفسهم بالتوبة وإرجاع المظالم إلى أهلها ، كيلا يعرضوا أنفسهم لغضب اللّه فيدخلوا في هذا الوعيد الشديد المؤلم « إِنَّ فِي ذلِكَ » الأخذ والإهلاك « لَآيَةً » عظيمة وعبرة كبيرة « لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ » لأنه إذا علم ما وقع في الدنيا على المجرمين اتعظ وعمل لما يقي نفسه من مثله ،